ابن قيم الجوزية
32
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
البيان والدلالة . وهو شرط لا موجب . فإنه إن لم يقترن به هدى آخر بعده لم يحصل به كمال الاهتداء . وهو هدى التوفيق والإلهام . وهذا البيان نوعان : بيان بالآيات المسموعة المتلوة ، وبيان بالآيات المشهودة المرئية . وكلاهما أدلة وآيات على توحيد اللّه وأسمائه وصفاته وكماله ، وصدق ما أخبرت به رسله عنه . ولهذا يدعو عباده بآياته المتلوة إلى التفكر في آياته المشهودة ويحضهم على التفكر في هذه وهذه . وهذا البيان هو الذي بعثت به الرسل . وجعل إليهم وإلى العلماء بعدهم ، وبعد ذلك يضل اللّه من يشاء . قال اللّه تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 4 ) [ إبراهيم : 4 ] فالرسل تبين . واللّه هو الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء بعزته وحكمته . المرتبة السابعة : البيان الخاص . وهو البيان المستلزم للهداية الخاصة ، وهو بيان تقارنه العناية والتوفيق والاجتباء ، وقطع أسباب الخذلان وموادها عن القلب فلا تتخلف عنه الهداية البتة . قال تعالى في هذه المرتبة إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ [ النّحل : 37 ] وقال : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] فالبيان الأول شرط . وهذا موجب . المرتبة الثامنة : مرتبة الإسماع . قال اللّه تعالى : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) [ الأنفال : 23 ] وقد قال تعالى : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ( 19 ) وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ ( 20 ) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ( 21 ) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 22 ) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ ( 23 ) [ فاطر : 19 - 23 ] وهذا الإسماع أخص من إسماع الحجة والتبليغ . فإن ذلك حاصل لهم ، وبه قامت الحجة عليهم . لكن ذاك إسماع الآذان ، وهذا إسماع القلوب . فإن الكلام له لفظ ومعنى ، وله نسبة إلى الأذن والقلب وتعلق بهما . فسماع لفظه حظ الأذن ، وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب . فإنه سبحانه نفى عن الكفار سماع المقصود والمراد الذي هو حظ القلب ، وأثبت لهم سماع الألفاظ الذي هو حظ الأذن في قوله : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [ الأنبياء : 2 ، 3 ] وهذا السماع لا يفيد السامع إلا قيام الحجة عليه ، أو تمكنه منها . وأما مقصود السماع وثمرته ، والمطلوب منه : فلا يحصل مع لهو القلب وغفلته وإعراضه ، بل يخرج السامع قائلا للحاضر معه ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [ محمّد : 16 ] . والفرق بين هذه المرتبة ومرتبة الإفهام : أن هذه المرتبة إنما تحصل بواسطة الأذن ، ومرتبة الإفهام أعم . فهي أخص من مرتبة الفهم من هذا الوجه . ومرتبة الفهم أخص من وجه آخر . وهي أنها تتعلق بالمعنى المراد ولوازمه ومتعلقاته وإشاراته . ومرتبة السماع مدارها على إيصال المقصود بالخطاب إلى القلب ويترتب على هذا السماع سماع القبول . فهو إذن ثلاث مراتب : سماع الأذن ، وسماع القلب ، وسماع القبول والإجابة . المرتبة التاسعة : مرتبة الإلهام . قال تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) [ الشّمس : 7 ، 8 ] وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لحصين بن منذر الخزاعي لما أسلم « قل : اللّهم ألهمني رشدي ، وقني شر نفسي » .